القاضي التنوخي
256
الفرج بعد الشدة
455 صادف درء السيل درءا يصدعه حدّثني عبيد اللّه بن محمد الصروي ، قال : حدّثني بعض إخواني : أنّه كان ببغداد رجل يطلب التلصّص في حداثته ، ثم تاب وصار بزّازا . قال : فانصرف ليلة من دكانه ، وقد أغلقه ، فجاء لصّ متزيّ بزيّ صاحب الدكّان ، في كمّه شمعة صغيرة ، ومفتاح ، فصاح بالحارس ، وأعطاه الشمعة في الظلمة ، وقال : أشعلها وجئني بها ، فإنّ لي في هذه الليلة في دكاني شغلا . فحضر الحارس وأشعل الشمعة ، وركّب اللصّ المفاتيح على الأقفال ففتحها ، ودخل الدكّان . فجاء الحارس بالشمعة مشعلة ، فأخذها منه وهو لا يتبيّن وجهه ، وجعلها بين يديه ، وفتح سفط الحساب ، وأخرج ما فيه ، وجعل ينظر في الدفاتر ، ويوري « 1 » بيده أنّه يحسب ، والحارس يطالعه في تردّده ، ولا يشكّ في أنّه صاحب الدكّان . إلى أن [ 264 غ ] قارب السحر ، فاستدعى اللصّ الحارس ، وكلّمه من بعيد ، وقال له : أطلب لي حمّالا . فجاء بحمّال ، فحمل عليه من متاع الدكّان أربع زرم مثمنة « 2 » ، وأقفل الدكّان ، وانصرف ومعه الحمّال ، وأعطى الحارس درهمين ، فلمّا أصبح الناس ، جاء صاحب الدكّان ليفتحه ، فقام إليه الحارس يدعو له ، ويقول : فعل اللّه بك وصنع كما أعطيتني البارحة الدرهمين . فأنكر الرجل ما سمعه ، ولم يردّ جوابا ، وفتح دكّانه ، فوجد سيلان الشمعة ،
--> ( 1 ) يوري : بمعني يري ، تعبير استعمله التنوخي في أكثر من موضع ، ولم أجد له أصلا في اللّغة ، والبغداديّون الآن يقولون : يراوي . ( 2 ) المثمنة : غالية الثمن ، تعبير بغدادي ، ما يزال مستعملا إلى الآن .